محمد أبو زهرة

1738

زهرة التفاسير

والتعبير ب « ثم » في هذا المقام ، يشير إلى التباين بين حالهم في الإعراض والصدود ، وإقبالهم بالاعتذار والحلف والازدلاف . أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ . أولئك النافرون عن حكم الله إلى حكم الطغيان والهوى والشيطان ، وهم يزعمون أنهم من أهل الإيمان يعلم الله تعالى ما يستكن في قلوبهم ، وما يدفعهم إلى أعمالهم وخروجهم عن حكم الحق إلى حكم الهوى . والإبهام في قوله تعالى يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ للإشارة إلى خفائه إذ يخفونه ويبدون غيره ، وإلى أنه شئ كثير من الفساد والانحراف النفسي يحكمون إخفاءه ، وإلى تنوعه من رغبة في الكيد والأذى ، والتفريق بين المؤمنين ، وممالأة المشركين ، وغير ذلك . وإذا كان الله يعلم ما في نفوسهم علما دقيقا ، لا يغيب عنه شئ ؛ لأنه وحده العليم بذات الصدور الذي لا يخفى عليه شئ في السماء والأرض ، فإنه سبحانه وتعالى مجازيهم في الآخرة بأعمالهم ودوافعها المكنونة في قلوبهم ، إن استمروا على حالهم ولكن عليك أنت أيها الرسول أن تبلغهم الحق ، وتدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً أي : إذا كانوا كذلك من السوء فأعرض عنهم . وفي هذا النص بيان لطرق علاج المنحرفين في نفوسهم إذا كانوا صالحين للعلاج ، وهذه الطرق ثلاث مراحل متداخلة : أولاها - الإعراض عنهم بألا يقبل عليهم ليشعروا باستنكاره لأعمالهم ، وأنه غير راض عنهم ، وذلك في غير جفوة ؛ لأنه إن كانت الجفوة كان العناد ، فلا يمكن أن يصل إلى المرحلة الثانية . وهذه المرحلة الأولى هي التي عبر عنها سبحانه بقوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ . الثانية - الوعظ ، وهو الزجر مع التخويف بسوء العاقبة والمآل ونتائج أعمالهم ، فإن ذلك قد يدفعهم إلى التفكير ، ومع التفكير في العاقبة ينفتح باب الهداية وسلوك الطريق المستقيم .